ابن بطوطة

43

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

التي بنت المسجد ، وهي زوج أميرهم ، وشكوا حالهم وما لحقهم من هذا المغرم ، فبعثت إلى الأمير الذي قدم برسم تغريمهم بثوب لها مرصع بالجواهر قيمته أكثر مما أمر بتغريمه ، فقالت له : اذهب بهذا الثوب إلى الخليفة ، فقد أعطيته صدقة عن أهل بلخ لضعف حالهم . فذهب به إلى الخليفة وألقى الثوب بين يديه وقصّ عليه القصة فخجل الخليفة وقال : أتكون المرأة أكرم منا ؟ وأمره برفع المغرم عن أهل بلخ ، وبالعودة إليها ليردّ للمرأة ثوبها ، واسقط عن أهل بلخ خراج سنة ! فعاد الأمير إلى بلخ وأتى منزل المرأة وقص عليها مقالة الخليفة ورد عليها الثوب ، فقالت له : أوقع بصر الخليفة على هذا الثوب ؟ قال : نعم ، قالت : لا ألبس ثوبا وقع عليه بصر غير ذي محرم مني ! ! وأمرت ببيعه ، فبني منه المسجد والزاوية ورباط في مقابلته مبنيّ بالكذّان ، وهو عامر حتى الآن ، وفضل من الثوب مقدار ثلثه فذكر أنها أمرت بدفنه تحت بعض سواري المسجد ليكون هنالك متيسّرا إن احتيج إليه خرّج ، فأخبر تنكيز بهذه الحكاية فأمر بهدم سواري المسجد فهدم منها نحو الثلث ولم يجد شيئا فترك الباقي على حاله ، وبخارج بلخ قبر يذكر أنه قبر عكّاشة بن محصن الأسدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما الذي يدخل الجنة بلا حساب « 90 » ، وعليه زاوية معظمة بها كان نزولنا ، وبخارجها بركة ماء عجيبة عليها شجرة جوز عظيمة ينزل الواردون في الصيف تحت ظلالها . وشيخ هذه الزاوية يعرف بالحاجّ خرد ، وهو الصغير ، من الفضلاء ، وركب معنا وأرانا مزارات هذه المدينة منها قبر حزقيل « 91 » النبي عليه السلام وعليه قبة حسنة ، وزرنا بها أيضا قبورا كثيرة من قبور الصالحين لا أذكرها الآن ، ووقفنا على دار إبراهيم بن أدهم « 92 » رضي الله عنه ، وهي دار ضخمة مبنية بالصّخر الأبيض الذي يشبه الكذّان ، وكان زرع الزاوية مختزنا بها وقد سدّت عليه ، فلم ندخلها وهي بمقربة من المسجد الجامع .

--> ( 90 ) حضر عكاشة المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقتل في حرب الردّة بأرض نجد عام 12 - 633 وفيه قيل الحديث الشريف الذي أصبح مضرب المثل « سبقك بها عكاشة » ! جوابا لصحابي سأل رسول الله أن يمنحه مثل ما منحه لعكاشة من امتيازات . . . ( 91 ) عندما شاهد ابن بطوطة هذا القبر المزعوم كان لا يزال عامر البناء إلا أنه انهدم واندثر بعد ذلك ، هذا وليس هناك من سند يثبت نسبة هذا القبر إلى حزقيل ( ezechiel ) ، وإن الموقع الأكثر شهرة لقبر حزقيل يوجد قريبا من الحلة بيد أن ابن بطوطة لم يتحدث عنه هناك . . . ( 92 ) سبق الحديث عن إبراهيم بن أدهم ، 254 ( ii 185 - 176 - 173 - 137 , i ) .